الخميس، 29 أبريل 2010

العنوسة في اليمن

هل تنسحب قضية "نجود" ومؤخرًا " الهام " على اغلب الفتيات اليمنيات؟
وهل فعلاً توجد لدينا مشكلة زواج مبكر في اليمن ؟!!

كتب / عادل محمد البكار
usa_4u@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظلت وسائل الإعلام بمختلف ألوانها وأطيافها السياسية والاجتماعية تطرح بطريقة معممة قضية الطفلة نجود كمشكلة اجتماعية تؤرق اليمنيين ، حتى طال صداها الإعلام العربي والغربي ، وفي حمى معارك مفترضة تخوضها منظمات حقوق المرأة ضد الزواج المبكر في اليمن ، قدمت نجود ذات الإثنى عشر ربيعا كبطلة انتصار في هذه المعارك بعد خلع زوجها وخراب بيتها, وطارت إلى نيويورك تتسلم من السيدة كلينتون جائزة هذا النصر . لم يكن ذلك السيل من الكتابات سوى ترديد أصداء فعاليات للقاءات ومؤتمرات وندوات وورش عمل أقامتها بعض منظمات حقوق المرأة ، كانت تلك الفعاليات ترسم بإصرار يعاند الواقع صورة مشوهة ومغلوطة عن الحالة الاجتماعية السائدة في اليمن لتقول لنا الصورة المزيفة أن اليمنيين يسحلون بناتهم وصغيراتهم ويسوقونهن قسراً إلى بيوت الزوجية.
نجود وطفلتين أو ثلاث لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة أو الاثنتين حالات شاذة استثنائية ومعزولة عن المشهد الاجتماعي الذي تتسيد فيه العنوسة وشبحها المخيف مافتئ يلاحق أغلب فتيات اليمن.
ومع ذلك والى اليوم لا تزال بعض منظمات المجتمع المدني المشتغلة تحديداً في مجال حقوق المرأة تتكسب الدولارات من وراء قضية الطفلة نجود وتتعيش على أنقاض وأطلال بيتها الخراب.
كانت قضية نجود فرصة ثمينة ومناسبة جيدة ساقتها الأقدار على غير حسبان لمن يلهثون وراء الأموال والعملات الصعبة، لمن يركضون وراء الشهرة والأضواء... ونحن اليمنيين لبؤسنا نعرف جيداً كيف ننتهز الفرص الثمينة ونظن مخدوعين أننا نعرف جيداً من أين تؤكل كتف المنظمات الأجنبية ، دعوني أنقل لكم انطباعات كثير ممن اشتغلوا مع تلك المنظمات وحتى العاملين فيها حين يصفون رؤساء وقيادات تلك المنظمات "بالمحتالين والنصابين." .
المواطنون بدورهم يفقدون الثقة بتلك المنظمات وينظرون إليها بعين الشك والريبة فهم لم يلمسوا منها أي خطوات جدية في سبيل معالجة قضاياهم الاجتماعية بل إن غالبية ساحقة منهم لم يدركوا بعد مفهوم المجتمع المدني وتكويناته لأن هذه التكوينات لم تتبنى قضاياهم أو تلامس همومهم ، وتعجز عن مد جسور التواصل مع شرائح المجتمع المختلفة والمستهدفة من إنشائها أساساً، هذه الرؤية الشعبية تتقاطع مع الرؤية الرسمية لواقع منظمات المجتمع المدني في اليمن ففي تقرير وكيل وزارة الشئون الاجتماعية والعمل لقطاع التنمية الاجتماعية يتهم هذه المنظمات " بالخوض في موضوعات وقضايا لا تمثل ضرورة أو احتياجاً ملحاً في المجتمع فتبدد مواردها وتنفقها في غير مواضعها" ويذهب إلى أن السبب في ذلك هو " خضوعها لأجندة المنظمات الأجنبية الممولة التي تبتعد كثيراً عن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع ".
وعلى كثرتها ماذا حققت منظمات المجتمع المدني ؟ بل ماذا عملت من أجل تطوير المجتمع وتنمية ثقافته وتغيير نظرته للحياة ؟ لن أكون مبالغاً ولا متجنياً إذا قلت أن ثمة مفاهيم وأفكار وسلوكيات وحكم وأمثال غريبة – بعيدة عن لغة العصر وغريبة عن أعراف وتقاليد البشر والمجتمعات والأمم - تشكل في مجموعها ثقافة مجتمعية عامة تهيمن على إدراكنا ووعينا وتعاطينا مع الأشياء والأمور الحياتية بحيث تجعلنا نبدو بين شعوب العالم كشعب عجيب غريب في ثقافته ونظرته للحياة.
أكثر من ( 5400 ) منظمة تعمل في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأمومة والطفولة وحقوق المعاقين و....و.... إلى آخره ماذا صنعت في سبيل اجتثاث الظواهر المعرقلة لتطوير المجتمع ؟!!غالبـــاً الوقوف أمام البرلمان هو أسهل الطرق التي تلجأ إليها هذه المنظمات للضغط على النواب لسن قوانين تفرض هذا التطوير الذي عجزت عنه ولأن تطوير المجتمع لا يكون من خلال قوانين قسرية فمن البديهي أن تنتهي إلى الفشل !!
( 5400 ) منظمة عدد متضخم !! لا شك في ذلك . ولعل السبب هو السعي المحموم ممن يقدمون أنفسهم ناشطين حقوقيين وراء مصادر الدعم الحكومي والأجنبي بالدرجة الأولى . التقرير آنف الذكر يشير إلى " افتقار هذه المنظمات للشفافية والنزاهة " ويتهمها بمخالفة القانون لجهة " عدم الالتزام بالإبلاغ عن المساعدات التي تحصل عليها "وبشكل يبعث على الأسف يذهب التقرير إلى أن قيادات تلك المنظمات تعاني " الفهم القاصر للمعاني الإنسانية " و يصدمنا التقرير حين يعزو السبب إلى أن " المفاهيم النفعية والشخصية والطائفية مفاهيم مازالت تخيم بظلالها الثقيلة على العمل الأهلي "
أما كان الأحرى بتلك المنظمات أن تسخر الدعم الحكومي والتمويل الأجنبي في دعم تطوير المجتمع وتنمية ثقافته وتستفيد منه في توجيه جهودها وتكريس نشاطاتها لدراسة وتقصي الظواهر والقضايا الاجتماعية الحقيقية التي تنعكس سلباً على كافة مناحي حياتنا أفراداً وجماعات وتعمل على معالجتها بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة بدلا من التركيز على الهوامش وتزييف وعي الناس بقضايا مندثرة لا وجود لها في الواقع إلا بالكاد والنادر الذي لا يستحق كل هذا التضخيم والتحشيد وكل ذلك الصراخ والضجيج .
في دوي الأصوات المرتفعة المنادية بالقضاء على الزواج المبكر هل سألنا أنفسنا كم فتاة مثل نجود ثلاث... أربع .. عشر.. هذا ليس شيء أمام قوافل وطوابير العانسات فتيات أو بالأصح "عجائز" بلغن سن اليأس من المحيض ومن الزواج أيضاً. في قريتي كما في قرى وأرياف اليمن كانت مقولة " زوج بنت الثمان وعليها الضمان" هي الطاغية في عرف اليمنيين وتقاليدهم اليوم تلاشت تلك المقولة وباتت أثراً بعد عين... وهناك في الريف كما هنا في المدينة لا يكاد يخلو بيت من دستة عوانس الصغرى على عتبة الثلاثين ولكم أن تتصوروا حال الكبرى!!
مشكلة المجتمع اليمني لم تعد في الزواج المبكر هذه القضية انتهت أو كادت مع مرور عقدين من الزمان والمشكلة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع اليوم هي العنوسة .
العنوسة التي تزحف إلى كل بيت في المدن والأرياف بل إن انتشارها في الريف لا يقل عنه في المدينة ، العنوسة هذه الكلمة ذات الأثر السيئ على النفس يرى متابعون أنها قد تترشح في السنوات القادمة إلى أزمة اجتماعية - ما لم تقرع الأجراس- مبكراً إنذاراً بخطورتها والوقوف أمامها وجهاً لوجه .
الأسباب وراء ظاهرة العنوسة مختلفة وفي تقديري أن أهم أسبابها هي الزيادة والارتفاع المستمر في تكاليف وأعباء الزواج ومظاهر البذخ في ولائم ومراسم الزفاف ، وبالمقابل فان مداخيل الأفراد ومستوياتهم المعيشية في تراجع وتناقص مستمر.
وما لم نعترف بالعنوسة كظاهرة اجتماعية ونعمل جادين على تداركها بالنظر في أسبابها وجذورها ونسعى إلى وضع الحلول والمعالجات لها على المدى المتوسط والبعيد فلا شك ستفرز عنها مظاهر سلوكية غير طبيعية وغير أخلاقية ، وستتمخض عنها أنماط وتقاليع لزيجات جديدة تكون فيها المرأة هي الضحية زيجات تنظر للمرأة كجسد وكائناً جنسياً فقط شأن مجتمعات عربية أخرى استفحلت فيها ظاهرة العنوسة فكان زواج المسيار والبوي فرند و أنا لك والعرفي والسياحي وغيرها زيجات لا تهدف لشيء سوى إشباع غريزة الجنس ومع ذلك يحتدم حولها الجدل والنقاش جوازاً وتحريماً وهي في الأخير امتهان لما تبقى للمرأة من آدميه وكرامه.
وفي مجتمع كاليمن يعيش أغلب أفراده تحت مستوى خط الفقـر الآثار ستكون أكثر وخامة، وسيكون سهلاً على الأثرياء السطو على الفقراء ونهب أجسادهم للتلذذ والاستمتاع.
في السنتين الماضيتين شهدنا حدة الإقبال الكبير من الأثرياء في الخليج على السياحة الجنسية في اليمن والتي غلفت تحت مسمى عقود الزواج السياحي فتيات دمرت حياتهن هذه الزيجات التي كانت تنتهي بقضاء الوطر ونهاية شهر العسل عبر رسالة sms تستقبلها الضحية على الموبايل تقول لها ( أنت طالق ) ويكون الزوج السائح مشكوراً على هذه الرسالة التي حددت مصيرها ولم تتركها للضياع سنوات تنتظر الغائب الذي لن يعود .
ظاهرة العنوسة تتسع دائرتها يوما عن يوم لتشمل كل بيت في مدن وأرياف اليمن بينما نقف مشدوهين نرقب توسعها في صموت دون أن نصنع شيء .